(إشراقات من تاريخ إسلامنا المجيد (سعيد بن المسيب
الحمد لله الذي جعل من أتباع محمدٍ الأوائلِ قدوةً لمن يأتي بعدهم في العلم والصلاح والخلق والسلوك، نحمده تعالى ونشكره ونستهديه ونستغفره ونشهد أن لا إله غيره، رفع منزلة العلماء إلى أعلى الدرجات المرجوة فقال سبحانه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
ثم إنه تبارك وتعالى سجل للعلماء درجةَ خِشيتهم له سبحانه، فقال جل جلاله:
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله ذكر درجة العلماء في ميزان الله فقال في ما يرويه عنه الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه:
مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ
أما بعد فموعدنا اليوم في إطار حديثنا عن القدوة مع آخرِ شخصيةٍ في سلسلةِ المنتمين إلى كبار التابعين. وما كان لي أن أختم سلسلتي هذه دون ذكر الإمام الذي كان يفتي في المدينة والصحابةُ أحياءٌ يُرزقون. إنه العَلَمُ أبو محمدٍ القرشي سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ العابدُ العفيف القنوع الذي امْتُحِنَ في الله فلم تأخذه فيه لومة لائم. عُرِفَ بشدة حرصه على صلاة الجماعة حتى قال عنه مولاه:
مَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مُنذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ إِلَّا وَسَعِيدٌ فِي المَسْجِدِ
وكان يقول رحمه الله مفسرا عملَه الجليلَ هذا الذي لا يقدر عليه إلا النادر:
التَّعَبُّدُ الحَقُّ لَيْسَ فِي الإِكْثَارِ مِنَ العِبَادَاتِ وَالنَّوَافِلِ وَلَكِنْ فِي التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ اللهِ وَالوَرَعِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِ اللهِ! وَمَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ مَلَأَ البَرَّ وَالبَحْرَ عِبَادَةً
هكذا كان مفهومه للعبادة فهلا أيقضنا أنفسنا لنبذ المحارم من خمر وميسر وربا وما إلى ذلك ثم للحرص على الجماعة وملء المساجد في كل صلواتنا؟ نتمنى حقا ذلك عسى أن يعود لمجتمعنا سؤددُه ويشعَّ نورُه من جديد، والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. عباد الله، ومن مزايا ابنِ المُسَيِّبِ أن نفسه كانت أهونَ عليه في ذات الله من نفس الذباب. باع نفسه كليةً لله تعالى فلم يعد يبحث لها عن مغنمٍ من الدنيا وكان يقول في ذلك قانعا:
مَا أَكْرَمَتِ العِبَادُ أَنْفُسَهَا بِمِثْلِ طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وََلَا أَهَانَتْ أَنْفُسَهَا بِمِثْلِ مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى وَكَفَى بِالمُؤْمِنِ نُصْرَةً مِنَ اللهِ أَنْ يَرَى عَدُوَّهُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ
فَهَمُّهُ الوحيدُ هو أن يراه الله في هيئةٍ لا يرضاها! فما بالنا اليوم أصبحنا لا نُلقي بالا للمعصية تحاك بيننا؟ نجالس السفهاء ونشارك في الحرام دون أن تتغير قلوبنا أو تتحرك ألسنتنا لتقويم ما اعوج فينا. أوَ قد نسينا قول الله تعالى لنا:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
إن الموت عبادَ الله يمكن له أن يدركنا في أي وقت من الأوقات فنسأل الله تعالى أن يختم علينا بالحسنى. فيا مسلم كن على أهبةِ استقبال اليقينِ متى يأتيك واحذر أن يباغتك وأنت في موقعٍ يُسْخِطُ اللهَ أو قل لا يُرْضِي الله. قال صلى الله عليه وسلم:
لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فكم من سهراتٍ ماجنةٍ قضيناها وكم من مواقف مربكةٍ وقفناها ومحرماتٍ اقترفناها ولو أدرَكَنا الموتُ فيها لكنا من الخاسرين. أمَّا ابنُ المُسَيِّبِ فلم يكن ليقع في شيء من ذلك ورغم وَرَعِهِ كان لا يفتر أن يقولَ في مجلسه اللهم سَلِّمْ سَلِّم فَرَقاً من سوء الخاتمة. ثم إنه أوذي في الله من قِبَلِ حاكمِ زمانه حين دعاه لبيعة رجلين من بعده فأبى امتثالا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في آن واحد فجلده الأمير فصبر رحمه اللهُ وكلَّ أمثاله وصلى الله على محمد وآله. اللهم اجعلنا على طريقتهم وانفعنا بمحبتهم واحشرنا في زمرتهم ولا تخالف بنا عن نهجهم ولا عن سنتهم اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اللهم انصر ولي أمرنا وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمين والحمد لله رب العالمين.
