(التربية قبل التعليم)
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حمد المعترف له بالنعمة ونشكره جل وعلا شكر المقر له بالفضل ونشهد أنه الله، لا إله إلا هو، بين لنا كنه وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى وأنها ترتكز أساسا على تبليغِ ما أُمِرَ به ثم على التربيةِ والتعليمِ فقال جل جلاله:
هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله، كان صلى الله عليه وسلم لا يترك أحدا وهواه إذا آمن، بل يتعاهده بالتربية والتعليم ويدعو الناس لفعل ذلك فعندما أسلم عمير بن وهب رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام للحاضرين من أصحابه:
فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ وَأَقْرِئُوهُ القُرْآنَ
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن حبيب السلمي قال: حدثنا من كان يُقرِئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. أما بعد فيا أيها البررة، استقبلنا خلال هذا الأسبوع الموسمَ الدراسي الجديد وكلُّ أملنا أن يكون عاملا إيجابيا في شحن طفولتنا وشبابنا بمعلومات تخرج لنا أجيالا ناضجة مسلحة بالإيمان محصنة من الفتن. إن الدخول المدرسي مناسبة للتذكير بأن التعليم من دون تزكية لا يُجدي أبدا! ومن ثَمَّ على المعلمين والأساتذة أن يكونوا أولا مُرَبِّينَ. فمهمة التعليم قبل إعطاء المعلومات تكوينُ هذا القلب الذي يستخدم المعلومات للخير لا للشر، للنفع لا للضر، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتربية. وكم أعجبني الخبر الذي أتانا من اليابان مفادُه أن الصغار حين يَلِجُونَ المدرسةَ لأول مرة لا يخضعون للامتحان طوال الطَّوْرِ الابتدائي فكل ما هنالك أنه يركز خلال كل تلك السنوات على ترسيخ الأخلاق في الناشئة حتى إذا ما أخذوا العلم استعملوه في ما ينفع وفي ما يدفع بالأمة إلى الأمام. ورحم الله سلف أمتنا الإسلامية في شخص عبد الله بن المبارك الذي كان يقول: تعلمنا الأدب ثلاثين عاماً وتعلمنا العلم عشرين. أما الشافعي فقال ليس العلم ما حُفظ وإنما العلمُ ما نَفع وكان الليث يقول: تعلَّموا الحِلم قبل العِلم. فاللهم فقهنا في ديننا والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. إن التعليمَ الفعال هو الذي يسير جنباً إلى جنب مع التربية، فما قيمة التعليم إذا لم يظهر أثره على طالب العلم في أدبه؟ والأمة لن تتقدَّم بحشو المعارف في أدمغة التلاميذ إذا لم تواكب ذلك تربيةٌ تعمل على غرس القيم والمبادئ فتجعل منها واقعاً عملياً لا محفوظاتٍ تلوكها الأفواه ثم تُفَرَّغُ عند الامتحان دون أن يكون لها أثرٌ على السلوك. فالرسول كان أعلم الناس بفضل ما زوده به الله من معارف ولكن الله تعالى لما أراد أن يمدحه لم يقل له وإنك لذو علم عريض وإنما قال له وإنك لعلى خلق عظيم. ورحم الله من قال: إنما الأُمَمُ الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. فمهما بلغت المعلومات المادية والخبرات الآلية فإنها وحدها لا تُنَمِّي شخصيةً ولا تُعِدّ إنساناً ولا أدل على ذلك من ما فعله العلم المجرد الذي اخترع القنبلة الذرية فأوقع من الدمار والتقتيل ما لا يعلمه إلا الله. فالذي يحرك البشرية إلى الخير هو إيمانها بالقيم والمبادئ العليا وتنزيلُها إلى أرض الواقع وهذا لا يتأتى إلا بإعطاء الأولوية للتربية:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
فهذا أمر جلي للأخذ بالأخلاق قبل التبحر في العلم وحشو الرؤوس بالمعلومات وإن كانت مهمة. كيف لنا أن نستفيد من عالم غشاش أو متعلم كذاب لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلا ولا الأمانة إلى عقله طريقا. فَلْنُعَلِّمْ إذن أبناءنا الصدق بصرف أعينِهم عن الغش وآذانِهم عن الكذب. لِنُعَلِّمْهُمُ الفضيلة بترك تلويث بيئتهم بالرذيلة وإذا لم نعاملهم بالغلظة والقَسوة نشئوا حتما رحماء وإذا قطعنا دابرَ الخيانة في مجتمعهم كانوا لا محالة أمناء. فاللهم اعصمنا من الزلل واكفنا الخَلَل وألبسنا الحُلَل وأبعد عنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطن. اللهم أعنا على طاعتك في كل وقت وحين ودون انقطاع آمين وصل اللهم على نبينا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين. اللهم انصر ولي أمرنا وارفع يا رب شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
