(الاعتبار بالآخر وأخذ القدوة منه وإن لم يكن من المسلمين)
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حيث أباح لنا الاستجمام والاستمتاعَ بالطبيعة ونشكره جل وعلا أن يسر لنا أسباب السفر فمكننا بمحض فضله ومَنِّه من الذهاب إليه ثم الرجوعِ منهُ ونحن في عافية في أبداننا وفي خير عميم من حولنا نرجو الزيادة في الإيمان به عز وجل وفي التمتع أكثر بالقرب منه جل جلاله، مستعدين لعمل أبلغ واجتهادٍ أوفر راجين رضاه، ونشهد أنه الله قص علينا قصصا كثيرا في القرآن ثم بين لنا الحكمة من ذلك الإسهابِ في ذكر من سبق فقال في ختام سورة يوسف:
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُومِنُونَ
وقبلها في ختام سورة هود أشار سبحانه وتعالى إلى الذكرى الكامنة في القصص وإلى النفع الذي ينبغي للمؤمن أن يجنيه منه فقال جل شأنه وعز جاره:
وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُومِنِينَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله ما فَتِئ صلى الله الله عليه وسلم يحذرنا من الفرقة ومن التنازع حتى كان من بين آخر ما قاله على منبره الشريف:
إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ. إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالَ عُقْبَةُ بن عامر راو الحديث فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ صلى الله عليه وسلم
أما بعد فيا عباد الله، كنت قبل أيام في بلاد أوروبية لم أزرها من قبل وعاينت فيها أشياء أخذت بلبي فأحببت ذكرها لكم لعلنا نأخذ العبرة منها أو تكون موعظة لنا وحافزا للتأسي واقتفاء الأثر. وهذه الأشياء تتمثل في النظافة وفي النظام العام وفي إحكام البنية التحتية وفي الاتفاق على الجوهر. والبلاد سويسرا؛ بلد صغير من حيث المساحة يتكون من مناطق ثلاث كل واحدة لها أصل مخالف فهناك سويسرا الفرنسية والإيطالية والألمانية ولم يمنع هذا الاختلاف في اللغة السويسريين من التوحد على المبادئ والالتقاء على الأصول والالتئام على ابتغاء الخير والعيش في كنف السلم والأمن والأمان بحثا عن راحة الجميع، بينما نحن المسلمون المأمورون بالوحدة وترك الفرقة ونبذ نزعة الجاهلية النتنة لا زلنا نخوض في أمور العرق غير المجدية ولا حول ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. عباد الله، إن الله تبارك وتعالى يقول في معرض نهيه التام عن الاختلاف والتنازع والفرقة:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
وجاء في سنن الترمذي عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فقال:
أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ، أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيه
فما بالنا لا زلنا نفتخر بكون بعضنا عربي والآخر أمزيغي أو سوسي أو ريفي وكل ينزغ نزغه بينما نحن جميعا إخوة، إنما المؤمنون إخوة، والحبيب المصطفى يقول:
مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ
هذا عن عدم الاختلاف وذم التفرقة فماذا عن النظافة والنظام العام؟ حين تتجول في مدن سويسرا تكاد تتمنى أن تجد نفاية مهما صغرت في الطريق ولكنه يخيب أملك وإن طال تجولك حتى الحيوانات الأليفة لا تتبول في الأزقة لأن مالكيها ملزمون بتوفير أكياس لها تقضي فيها حاجتها! فأين نحن من قول النبي:
إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ
أزقتنا مليئة بالنفايات وحاوياتها جلها مكسر وأزبالنا مختلطة لا نميز الخطير منها من الذي يمكن إعادة استعماله والناس ترمي من نوافذ السيارات وسطوح البيوت من غير اكتراث ولا حياء ولله المشتكى. أما الكلام عن البنيات التحتية وإتقان العمل فيها وجودة تماسكها فموضع غبط لا نهاية له حتى لا نذكر الحسد المنهي عنه فاللهم كن لنا ولا تكن علينا. اللهم اعصمنا من الزلل وأعنا على طاعتك في كل وقت وحين ودون انقطاع آمين. وصل اللهم وسلم على نبينا الكريم وعلى آله وكل من والاه يا رب العالمين. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا، اللهم انصر ولي أمرنا وارفع يا رب شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمين والحمد لله.
