Prendre du repos et changer d’air

الترويح عن النفس والسياحة في الأرض

الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى كما ينبغي لجلاله وجهه وعظيم سلطانه ونشكرهُ جل وعلا كما يليق بوافر عطائه وكريم آلائه ونشهد أنه الله ذكر السياحة من بين السلوكيات المؤكدة لإيمان العبد والموجبة لبشراه فقال:

وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ


ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله جاء عنه في غير ما مرجع عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم َقَالَ:

السَّائِحُونَ الصَّائِمُونَ

أما بعد فيا أيها الإخوة البررة الكرام السائحون هم الصائمون، وقيل عنهم أيضا هم حجاج بيت الله الحرام وقيل الغزاة المجاهدون في سبيل الله وقيل المخلصون في العبادة وقيل طلبة العلم وذكر غير ذلك. وفي قاموس المعاني أصل السائح هو الذاهب في الأرض والسائح في الأرض ممتنع عن الشهوات وهذا ما دفعني للقول، جمعا بين هذه الآراء وكلام الحبيب ، إن السائح هو الصائم عن الحرام، المجاهد لنفسه والسائر في الأرض إلى الله تعالى بكل عزم وتفان وقوة. أيها الإخوة إن الذي جعلني أختار موضوع السياحة هو فصلُ الصيف وتزايدُ عددِ مغتنميه للسفر والتجوال مع ذويهم وما يواكب ذلك من ترفيهٍ على النفس؛ بل دعنا نقول من لهوٍ ولعبٍ زائدَيْنِ عن المعقول حتى إن بعض الناس ليتخذ من هذه المناسبة فرصةً لإطلاق العنان لكل ما هو حرام؛ فسكرٌ ورقصٌ ومجونٌ ناهيك عن تضييع الصلاة عن وقتها وتقصيرٍ في الأذكار التي ألفها وإهمال لأعمال البر التي كان يعتادها! فإذا سألت أحدا أو لاحظت عليه احتج عليك بقول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم:

إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا

إنها لعمري لكلمة حق أريد بها باطل إذ متى كان حق النفس في اقتراف الحرام والنأي عن الحلال. أجل إن لنفسك عليك حقا إذ لا ينبغي لك أن ترهقها بأعمال الطاعات إلى أن تمل فالاقتصاد في كل أمر مطلوب ومحمود والتطرف في أي شيء منبوذ ومردود فهذا معنى من المعاني الدقيقة فافهمه عن ربك وكن يقظا وقل الحمد لله.

الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. إنني أتساءل أيها الأحبة هل من حق نفس الإنسان أن يعمد صاحبُها إلى إهلاكها في الدنيا بتناول المسكرات وكل ما يَضُرُّ بها وفي الآخرة بإدخالها في سخط الله بسبب المحرمات التي اقترفها؟ هل هذا هو حق نفسك عليك يا ترى؟ إننا حين نتأمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة نقع على قصة عجيبة هي قصة حنظلةَ الأسدي، فعنه رضي الله عنه وكان مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ قُلْتُ، نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا! فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. قُلْتُ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ، وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

فالسؤال المطروح هنا، حين قال صلى الله عليه وسلم ساعة وساعة، هل يعني هذا الترويح عن النفس بالحرام وإطلاق العنان لها لأن تنسى كل واجباتها، أم هو طلب لإخماد قوة الطاعات بغية استرجاع النفس؟ وصدق الله حين قال:

إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ

وعن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ رضي الله عنها سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فقالت:

أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ

ومن غريب الصدف لا بل من حكيم أمر الله أنه تعالى قال بعدها مباشرة:

وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ

فعلينا الانتباه لما يصدر عنا فإن زللنا فلا سبيل إلا التوبة والاستغفار فاللهم قو إيماننا ويسر الهدى لنا؛ اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، سدد خطاه وثبت مسعاها واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين واجعل فكره عامرا بذكرك وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة أسرته وحب شعبه آمين والحمد لله رب العالمين.