حقيقة العبودية
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى ونشكره .. ونشهد ألا إله غيره ذكر حقيقة العبودية في القرآن فقال:
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً رسولُ الله بيَّن معنى العبودية فقال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى:
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ
أما بعدُ، فإن الهوية الحقيقية لهذا الإنسان أنه عبدٌ مملوكٌ لله، محتاجٌ إليه، وينبغي له أن يفهم أن مهمته في الدنيا أن يؤديَ حق ربه عليه..
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
والعبادة كأي بناء تحتاج إلى أساس تنبني عليه وأساس البناء هنا هو الإحساس بالفقر إلى الله مما يجعل المرء يشعر أنه لا شيء من دون الله وعندما يستيقن من ذلك فعلا يكون قد اصطبغ بحقيقة العبودية التي هي أساس العبادة. فعن أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ بهذا الدعاء ثلاث مرات..
اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. اللَّهُمَّ إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب:
اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
هذا أيها الأحبة هو الأساس الذي يُعوزنا في زمننا هذا وهو الذي يفسر تخبط الأمة في المشاكل التي يعرفها الخاص والعام. وإذا قال قائل، فما السبيل إلى إدراك ذلك؟ قلنا له: السبيل أن نرجع للوقوف أمام مرآة هويتنا فنتأمَّل جيداً وسنعلم بسرعة أننا بالله نبصر الدنيا ولو أن نجدة الله انفصلت عنا لما رأينا النور. ثم نتأمل وسنعلم أننا بالله نسمع وأننا به نعقِل ونُحِس ونشعُر.. به نرقد وبه نتقلب وبه نتنفس.. وحينئذ سندرك أننا لا شيء لو أن صلة الرحمن انْقطعت عنا وأننا بالعكس كلُّ شيء إن علمنا أننا بالله كنا وبه نحن وبه نسير.. وهذه هي العبودية وهذا هو أساس العبادة..!
إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ
نفعني الله وإياكم بما نقرأ من القرآن وندرس من حديث النبي العدنان ولله الحمد الكريمِ المنان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسولِ الله. إننا عندما ندرك هذه المعاني فسنجني ثمرات العبادة.. وأُولى هذه الثمرات حبُّ الله الذي يتولى أمرنا تلقائيا من غير سؤال منا فيمتعنا بعنايته وألطافه:
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ
أما ثانيتها فإننا سنصبح نعظم الله لأن عبوديتنا التي ستهيمن علينا ستكون قد ملأت كياننا فجعلته يدرك حقا معنى قوله سبحانه:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ
أما ثالثة هذه الثمار فهي أننا حين نحب الله ونعظمه فإننا نهابه حتما فنَقْدُرُهُ حق قدره فنقومُ مجِدّين لفعل ما أمر وترك ما نهى لا لشيء إلا لأنه أمر ونهى، ولا لشيء إلا لأنه يحب منا أن نسير هكذا!
وهذا للأسف هو ما نفتقده اليوم بأن اعتمدنا كثيرا على المادة وتركنا الإحساس بالعبودية لله الذي كان يتجلى في كل نواحي حياة رسول الله مما يؤدي به إلى التوكل الحق فكان مثلا إذا أوى إلى فراشه قال:
بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ
وأين هي الحال التي تجعلنا عندما نستيقظ نشعر أن الله قد أعاد إلينا الروح فنحمده حيث أحيانا بعد ما أماتنا ونقر بأن النشور إليه وحده؟ إننا أيها الإخوة لو تحققت فينا هذه الحال لازدهرت العبادة في حياتنا ولتحقق معنى الإخلاص في سلوكنا ولكان منا مثلَ ما كان من سلفنا، لأن الإسلام كأي نظام آخر لا يفيد إلا إذا أُخذ حيث جذورُه وطبق من حيث أسسُه. أسأل الله تعالى أن يمتعنا أفرادا وجماعات بنعيم العبودية له عسى أن تتحقق كلُّ الأمنيات وتُحَلَّ سائرُ المشكلات
اللهم أشغلنا بما خلقتنا لأجله ولا تُشغلنا بما ضمنته لنا. اللهم إنك ترى مكاننا وتسمع كلامنا وتعلم سرنا وجهرنا.. ذلَّت لك الرقاب وفاضت لك الأعين وانكسرت لك الأعناق ففرج عنا ما نحن فيه من الضنك والضيق وما نحن عليه من البعد عنك. اللهم لا تردنا خائبين ولا تجعلنا من رحمتك مطرودين وأعطنا ما يرضينا في أنفسنا وفي أزواجنا وأولادنا يا أرحم من سئل ويا أكرم من أعطى. اللهم بغيرتك على دينك وعلى كتابك وحرماتك نسألك أن تنصر إخوتنا في فلسطين وأن ترد بيت المقدس إلى حظيرة المسلمين وأن تطلق سراح المسجونين والمختطفين يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك أن تملأ قلب ولي أمرنا بالإيمان والتعظيم لحرماتك وأن تجمع به أمر هذه الأمة وتحقق له في سبيل ذلك البطانة الصالحة آمين آمين والحمد لله رب العالمين.
